ابن كثير
207
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
الهدى ، فقال الناس لهم : ما نراكم إلا وقد تركتم أصحابكم وجئتمونا ؟ فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجا وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال اللّه عز وجل : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ يبغون الخير لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وليستمعوا ما في الناس وما أنزل اللّه فعذرهم وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ الناس كلهم إذا رجعوا إليهم لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ « 1 » . وقال قتادة في الآية : هذا إذا بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الجيوش أمرهم اللّه أن يغزوا بنبيه صلى اللّه عليه وسلم ، وتقيم طائفة مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تتفقه في الدين ، وتنطلق طائفة تدعو قومها وتحذرهم وقائع اللّه فيمن خلا قبلهم « 2 » . وقال الضحاك : كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا غزا بنفسه لم يحل لأحد من المسلمين أن يتخلف عنه إلا أهل الأعذار ، وكان إذا قام وأسرى السرايا لم يحل لهم أن ينطلقوا إلا بإذنه ، وكان الرجل إذا أسرى فنزل بعده قرآن وتلاه نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم على أصحابه القاعدين معه ، فإذا رجعت السرية قال لهم الذين أقاموا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : إن اللّه أنزل بعدكم على نبيه قرآنا فيقرئونهم ويفقهونهم في الدين ، وهو قوله : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً يقول إذا أقام رسول اللّه فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ يعني بذلك أنه لا ينبغي للمسلمين أن ينفروا جميعا ونبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم قاعد ، ولكن إذا قعد نبي اللّه فسرت السرايا وقعد معه معظم الناس « 3 » . وقال علي بن أبي طلحة أيضا عن ابن عباس في الآية ، قوله وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً إنها ليست في الجهاد ، ولكن لما دعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على مضر بالسنين ، أجدبت بلادهم وكانت القبيلة منهم تقبل بأسرها ، حتى يحلوا بالمدينة من الجهد ويعتلوا بالإسلام وهم كاذبون ، فضيقوا على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأجهدوهم ، فأنزل اللّه تعالى يخبر رسوله أنهم ليسوا مؤمنين ، فردهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى عشائرهم وحذر قومهم أن يفعلوا فعلهم ، فذلك قوله : وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ الآية « 4 » . وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : كان ينطلق من كل حي من العرب عصابة فيأتون النبي صلى اللّه عليه وسلم فيسألونه عما يريدون من أمر دينهم ويتفقهون في دينهم ، ويقولون للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ما تأمرنا أن نفعله ؟ وأخبرنا بما نأمر به عشائرنا إذا قدمنا عليهم ، قال فيأمرهم نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم بطاعة اللّه ورسوله ويبعثهم إلى قومهم بالصلاة والزكاة ، وكانوا إذا أتوا قومهم قالوا : إن من أسلم فهو منا وينذرونهم ، حتى إن الرجل ليفارق أباه ، وأمه ، وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يخبرهم وينذرهم قومهم ، فإذا رجعوا إليهم يدعونهم إلى الإسلام وينذرونهم النار ويبشرونهم
--> ( 1 ) انظر تفسير الطبري 6 / 513 . ( 2 ) انظر تفسير الطبري 6 / 514 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 514 . ( 4 ) تفسير الطبري 6 / 514 .